الثلاثاء، 31 مايو 2016

القلب السليم والقلب المريض - د.أحمد عمارة

أول معصية عصي بها الله "الكبر" وهي معصية قلب .
فعلها إبليس الذي كان عابدا تقيا وضيع أعماله وعبادته بالكبر
ثاني معصية عصي بها الله "التذوق من الشجرة" وهي معصية جوارح . فعلها آدم الذي اصطفاه الله على المخلوقات وأمر الملائكة بالسجود له .

لأن المعصية الأولى معصية قلب ، صاحبها تكبر وعناد وكفر ، فاستحقت الطرد من رحمة الله وإحباط العمل واستحقت الخلود في النار .
ولأن المعصية الثانية معصية جوارح ، مع قلب سليم ، صاحبها توبة وندم واستغفار ، فاستحقت الرحمة والعفو وتوبة الله عليه . لأن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون

لهذا معصية القلب أكبر وأخطر من معصية الجوارح .
ومعصية القلب لا يعلمها إلا الله ، أما معصية الجوارح فظاهرة عيانا بيانا للناس .

والمهم عند الله القلب السليم . تأمل قول الله تعالى : "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ"
-----------------------------
وبما أن أمراض القلب أمراض نفسية بحتة ، لذا فاعلموا الفرق بين القلب المريض والقلب السليم :

القلب المريض : يبغض - يكره - يسب - يسخر - يستهزئ - يحقر - يتعالى - يتكبر - يهمز - يلمز

والقلب السليم : متسامح ، رحيم ، محب ، مادح ، متواضع ، خلوق ، لين ، لا يعرف الصفات المذكورة في الأعلى نهائيا

وهناك أناس في الوسط . والسعيد من اتخذ صفات القلب السليم هدفا وسعى لتعلمها واكتسابها
-------------------------------
لذا فمعاصي القلب تضيع وتحبط أعمال العبد بالجوارح : كصلاة وصوم وزكاة وقراءة قرآن وغير ذلك .. المهم القلب السليم .

ولأن إبليس صاحب أول وأكبر معصية وهي معصية القلب ، فهو يتلاعب بالبشر جميعا كي يقعوا فيها دون أن ينتبهوا ، كي يلحق بهم ما لحق به . وكي يضيع عليهم أعمال الجوارح ، لهذا قال النبي الكريم : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر .

مثقال ذرة ... انتبه جيدا : مثقال ذرة .
كان يقول ذلك للمسلمين المصلين الصائمين المزكين العابدين !!!
أرأيتم شدة خطورة الكبر !!

وبناءا عليه فمن لم تنهه صلاته عن معصية الكبر فهو يؤديها كعبادة شكلية خارجية وبشكل غير صحيح وقد يضع نفسه عرضة لضياعها في الآخرة بكبره ، ومن لم ينهه صيامه عن معصية القلب والكبر فهو يؤديها كعبادة شكلية خارجية وبشكل غير صحيح ، لذلك لن تنفع معه في الآخرة لأن الله ينظر إلى القلب والعمل ، وليس العمل فقط ولن ينفع أحد شيئا إلا القلب السليم ثم بعدها العمل الصالح وليس العكس .

لعب إبليس لعبته ،، وأوقع الناس في الكبر بالعلم ، والكبر بالتدين .
ليسهل للناس دخول النار بتكبرهم بإسم الدين ، أو تكبرهم باسم العلم .

- من يفضح الناس : متكبر بإسم العلم وباسم الدين ، فهو يفضح بعض الناس ليثبت للناس أنه العالم الفذ الفاهم الذي يريد أن ينبههم لأنهم لا يفهمون ، دائما يرى الناس أقل منه في العلم وغير منتبهين أو مغيبين ودائما يصفهم لا إراديا بهذه الصفات ، فكلما يسعى للفضح كلما أقر من داخل قلبه أن الناس أقل منه في العلم ولابد أن ينبههم بفضح فلان والإمعان في التماس أخطائه وزلاته .

وبعض الدعاة اليوم أصبح الناس ينتظرون فيديوهاتهم ليعرفوا من سيفضح اليوم أو كيف سيرد على فلان أو كيف سيستهزئ بفلان ويفحمه ويخزيه !! هل هذا هو الدين الذي ارتضاه الله لنا ؟ بدلا من أن ينتظرهم الناس للسمو والأخلاق والرفعة والرقي !!

وبعض الإعلاميين اليوم أيضا أصبحوا يتعالون على بعض المخطئين من المتصدرين للدعوة بالاستهزاء بهم والسخرية منهم ، كل ذلك من الكبر وليس من الدين في شيء ،، أصبح اليوم بعضهم يسخرون من بعض ويستهزئون ببعض ، الكل يتبارى بعلمه ويتباهى به ويتكبر على الآخر باقتناص الأخطاء ، أصبحت فوضى مقززة .

- من يستهزئ بالناس : متكبر باسم العلم ومتكبر باسم الدين ، المستهزئ دائما يشعر بالتعالي والتحقير لمن هو أقل منه ، لذا فالجاهل دائما أو المتكبر عندما يتعلم علما أو معلومة ، يفتخر بنفسه ولا يشعر بلذة ذلك إلا بالإمعان في التحقير لغيره ممن يراهم غير فاهمين .

- من يحقر من الناس : متكبر باسم العلم ومتكبر باسم الدين ، يتباهى بعلمه ، ويرى أن من لا يعلم حقير لأنه لا يعلم ، فيبدأ في الإمعان في تحقيره لأنه أفضل منه في المعلومات والعلم الذي اكتسبه ليتعالى على الناس .

- من يدعوا الناس بغضب وحمية وغلظة : هي حمية الجاهلية وتكبر باسم الدين والعلم ، يشعر أنه بتعلمه أصبح أفضل من الناس ، ويرغب في إكراههم وغصبهم على اتباعه ، لذا يغضب إذا لم يجد أحدا ينفذ ما قاله أو يغضب إذا وجد أحدا يخالفه أو أحدا يفعل خطئا لنقص دين أو نقص علم أو حتى ضعف أمام الشهوات ، والغضب منهي عنه شرعا حتى في الدعوة ، بل نحن مأمورون بالتيسير وباليسر .

- من يختلف مع شخص فلا يقول اسمه وإنما يحقر منه ويناديه بالمدعو فلان : متكبر باسم العلم ومتكبر باسم الدين ، لأنه متكبر متعالي فلو اختلف مع دكتور أو مهندس أو حتى شخص آخر ، تجده يمعن في تحقيره فيستهزئ بشهادته ، ويستهزئ بدراسته وعلمه ويبدأ في معاملته كأنه نكرة ، فبدلا من قول اسمه أو درجته العلمية ، يقول المدعو فلان إمعانا في التحقير ورغبة في التعالي واكتساب إعجاب الناس وانبهارهم بما وصل إليه من علم ومعرفة وتفنن في اكتشاف أخطاء الناس وفضحهم

مثال :
فتاة تلبس لباسا مفتوحا يبين أجزاء كثيرة من جسدها ، هذا ذنب جوارح
شاب أو فتاة ، يوبخوها ويهينوها في الطريق لأنها فعلت ذلك ، هذا ذنب قلب
يوم القيامة عقاب الثاني أشد من عقاب الأول ، وقد يغفر للأول إن كان سليم القلب ضعيف الإرادة ولازال يحاول لكنه لم يستطع
وسيزيد عقاب الثاني لأنه نفر من الدين بالتكبر والغلظة والشدة على المخطئ وهو لا يعلم ماذا بقلبه ، بل ولو أساء الظن دخل في مصيبة أخرى لأن القلب لا يعلم ما بها إلا الله

مثال آخر :
فتاة تزني وتمارس الزنى (هذا ذنب جوارح) ،
شخص آخر نعتها بالفاسقة الفاجرة وتعامل معها بغلظة (هذا ذنب قلب)
عقوبة الفتاة عند الله في الزنا ، أقل من عقوبة الثاني لأنه ذنب قلب . وكلنا يعرف كيف غفر الله للزانية عندما سقت كلبا عاطشا ،، لأن سقيا القلب والرحمة به فعل قلب سليم ، وفعل القلب السليم من موجبات الرحمة ، والقلب السليم يؤنب صاحبه دائما والله أدرى بالسرائر . فلقد جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينما كلب يطيف بركية ، كاد يقتله العطش ، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل ، فنزعت موقها ، فسقته فغفر لها به .

فكم من زانية أو عاصية تبيت ليلها تدعو الله أن يتوب عليها وأن يقويها لكي توقف ما تفعله ، والله أعلم بالقلوب وليس للعباد شأن فيها .

ولو تكلم شخص عنها في غيبتها وقال إنها زانية هذه مصيبة أخرى لأن هذه غيبة وهي ذنب قلب ، والغيبة من مصائب الذنوب ومن موجبات عذاب القبر .. حتى لو كانت تفعل ذلك . لذا فالإسلام يطالبك بالتعامل معها برفق ولين ودعوتها ، لا الحكم عليها والتوبيخ والاستهزاء والإهانة فهذه من أعظم ذنوب القلوب باسم الدين وباسم العلم
لكن المتدين الحق ، لو رآها تفعل ذلك لكلمها بكل ود وإخاء وحب في الله واتبع الأسلوب الراقي في نصيحتها ، ولنا في قصة رسول الله مع الزاني المعتاد الزنا الذي جاءه يطالبه أن يأذن له بالزنا كيف عامله بمنتهى الرقي والأخلاق بلا جرح ولا غلظة ولا اتهامات . بل ولقد دعا له برفق وبرقة قلب ورحمة ، لا بفظاظة وعبوس وسب . تأملوا الحديث الذي رواه صدي بن عجلان :

أن فتى من قريش أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ائذن لي في الزنا . فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا : مه مه . فقال رسول الله : ادنه . فدنا منه قريبا فقال : أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم . قال : أفتحبه لابنتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم . قال : أفتحبه لأختك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لأخواتهم . قال : أتحبه لعمتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لعماتهم . قال : أتحبه لخالتك ؟ قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لخالاتهم . قال : فوضع يده عليه وقال : اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه . قال : فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء

ولهذا وضع الله حد القذف ، كي لا تكون أعراض الناس مستباحة ، فالغيبة هي الكلام على الأشخاص حتى لو فعلوا المساوئ ، ولو اتهمتهم بلا دليل شرعي واضح يوقع عليك حد القذف ، والكل يعلم القصة الشهيرة التي حدثت بين عمر وعلي رضي الله عنهما : رُوي أن عمر بن الخطاب في أيام خلافته رأى رجلا وامرأة على فاحشة، فجمع الناس وقال لهم: [ما قولكم إذا رأى أمير المؤمنين رجلا وامرأة على فاحشة؟]، فقام علي بن أبي طالب وأجابه: [يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف، ويصبح ساقط الشهادة إذا صرح باسمي من رآهما شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين]، فسكت عمر ، والشرع حدد الشهادة في الزنا أن أربعة شهداء يشاهدون بأم أعينهم العضو الذكري داخل العضو الأنثوي وإلا يقام عليهم حد القذف فورا بدون ذلك .

- من يصنف الناس هذا فاسق وهذا فاجر وهذا كاذب وهذا منافق وهذا خرف ، هي من أكبر أنواع الكبر ، كبر يسول له الشيطان أن يحكم على الناس بدلا من الله ، يشعر أنه أصبح الحكم بتدينه وبالمعلومات التي عرفها من الدين ، بل يبدأ في استغلال معلوماته الدينية في الحكم على الناس وهذه مصيبة كبرى يضيع عمره فيها وينسى أنه نفسه سيقف أمام الله ليحكم عليه نفسه !!!!! ولأنه يتباهى بأحكامه إلى الناس ، يبدأ في التتبع والسرد والتحليل ليثبت للناس عظمته في الحكم ، ودقته في اكتشاف السر الخطير في قلب فلان ،، كبر وتعالي ما بعده كبر وهو الآن أصبح في أحضان الشيطان يفني حياته كلها في الأحكام والتعالي وينسي الآية الكريمة : إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ..

- من ينصح الناس بإسمه في العلن ، لو كان يريد النصيحة صادقا من قلبه لنصحه في السر ، ولو لم يتبع النصيحة لدعا له وتركه وشأنه ، لكن المتكبر دائما لا ينصح في السر لأنه يريد أن يباهي الناس بعلمه ففور ما ينتبه إلى خطأ ما يهب باسم الدين وباسم العلم فاضحا فلان ومستهزئا به ليعلم الناس أنه عام فاهم ، لا يجد طريقا لذلك سوى فضح الناس ، يضحك عليهم الشيطان ويلبس عليهم دينهم ويوهمهم أن هذا من الدين والدين منه براء

- من لم يدرس الدين ويعتمد على معلومات "ظنية" سمع أطرافا منها من هنا وهنا بعضها صحيح وبعضها مغلوط ، ثم يستمع لرأي مخالف لما يظنه ، وقد يكون هذا الرأي مصيبا لكنه لا يعلم لأن علمه مبني معظمه على ظنون ، تجده يدخل متكبرا مستهزئا مطلقا العديد من الأحكام التي فيها تعالي وإهانة لغيره ،، يقول دائما : الراجل دا بيخرف بيقول إيه ؟ الجدع دا بيفتي من دماغه ، الأخ دا بيفسر القرآن على هواه ، شايفين التدليس ؟ حق يراد به باطل (وكأنما دخل قلب الناس ليعرف ما يراد به) ، كلها أحكام يراد بها الإهانة والتعالي بالكبر ، كلمات يقولها الإنسان لا يلقي لها بالا قد تلقي به في النار سبعين خريفا

- الإمعان في الدعاء بغلظة على الأشخاص ، تجد مثلا من يتبنى رأي جواز تهنئة غير المسلمين بالأعياد ، يهنئهم ، فيأتي شخص آخر يملؤه الكبر والتعالي باسم العلم فيخاطب قاسيا جاهلا ، ويهزئ ويسخر ويعنف ، بل ويدعي بمنتهى الغلظة : أسأل الله أن يحشرك معهم يوم القيامة !!! منتهى التكبر والغلظة باسم الدين ويتناسى أن الملائكة في هذه اللحظة ترد عليه : ولك مثله .

هذا كله ليس من الدين ، الدين وضعه الله لنرشد الناس للخير وندعوهم لما يصلح دنياهم وآخرتهم وليس للتهكم عليهم والسخرية منهم وتحقيرهم وإطلاق الأحكام عليهم !!!

لهذا كان المتكبر محرما على الجنة مهما بلغ به العلم ومهما عمل من العبادات الشكلية ،

- لهذا أيضا قال النبي الكريم في الحديث الذي رواه كعب بن مالك : من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله النار

- وفي الرواية التي رواها أنس بن مالك بن النضر : من طلبَ العلمَ ليباهيَ بِه العلماءَ ويمارِيَ بِه السُّفَهاءَ ويصرفَ بِه وجوهَ النَّاسِ فَهوَ في النَّارِ

- وفي الرواية التي رواها ابن جريج : لا تتعلَّموا العلْمَ لتُباهوا به العلماءَ ولا لتُماروا به السُّفَهاءَ ولا تتحدَّثوا به في المجالسِ فمن فعل ذلك فالنَّارُ النَّارُ

- وفي الرواية التي رواها أنس بن مالك : تعلَّموا ما شئتُم أنْ تعلموا فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يأجرَكم على العلمِ حتَّى تعملوا به ، فإنَّ العلماءَ همتَهم الوعايَةُ ، وإنَّ السفهاءَ همتَهم الرِّوايةُ

- وفي الرواية التي رواها جابر بن عبد الله : لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار

وفي الحديث القدسي قال الله عن الكبر والكبرياء : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما عذبته بناري

لذا تجد المتكبر في مجالسه يقول لأقرانه ، شفت أنا عملت إيه في فلان ، شفت فضحته ازاي ، ويتباهى ويفتخر ويختال بتكبره بالعلم والدين ، ويأخذ العلم كأنه سلاح للتبارز بين الناس والانتصار عليهم وكأنه في حرب ، لذا كل ألفاظه أفحمته ، ألجمته ، موتوا بغيظكم ، بهت الذي كفر ، وغيرها من عبارات الكبر والفخر ! . تأمل ماذا قال الله في هؤلاء في القرآن الكريم : إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُختتَالاً فَخُورًا

تجد البعض منهم يتدخل في نيات الناس ، فيستهزئ منهم ويخونهم ويمعن في اسائة الظن بما يفعلوه ، لذا قال الله لهؤلاء أيضا : إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا

دائما يجهرون بالسوء ، ويجهرون بفضح الناس ، والله قال لنا : لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الجَهرَ بِالسُّوَءِ مِنَ القَولِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ، أي فقط مسموح لمن ظلم أن يجهر بالسوء ليأخذ حقه ، ولم يسمح لغيره كي لا تنتشر عدوى فضح الناس التي يغذيها الشيطان

ومن يحقر الناس ويهاجمهم ويستهزئ بهم هو مستكبر في الدنيا بالعلم ، وقد قال الله تعالى : إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ

وبعضهم يمعن الشيطان في إضلاله فيبدأ في تخوين غيره من نفس الديانة ، ويتدخل في نياتهم ليكفره أويكفر أعماله الخيرة (يكفر أعماله الخيرة أي يتجاهلها ويخفيها) التي ربما تفيد الناس بأكثر مما يفعل هو من بث للضغينة ، ودائما يخون الناس ، ويتفنن في سوء الظن بهم ، ويسخر منهم وينسى الخير الذي يفعلوه بل ويتمسك بأخطائهم أو يسيء الظن بهم ، وفي هؤلاء قال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ َلا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ

وبدلا من أن يقولوا التي هي أحسن ، تجدهم في كل حواراتهم يقولوا التي هي أسوأ ، وفي كل صفحاتهم على الفيس بوك أو في الجرائد أو الفضائيات تجدهم يذكرون كل ما هو سيء وكل ما فيه فضائح ومفاسد ، ولم ينتبهوا أن هذا من الشيطان ،

قال تعالى : وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِى هِىَ أَحسَنُ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنزَغُ بَينَهُم إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا

هم في الغالب يشددون على الناس ويحثونهم على البعد عن الشبهات ، وينسون أنفسهم قال فيهم الله تعالى : أَتَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم وَأَنتُم تَتلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعقِلُونَ

هم ينسون أنفسهم ولا يأمروا أنفسهم بالبعد عن هذا الطريق المشئوم المليء بالشبهات ؟ والمليء بالأشياء التي لا يحبها الله ؟ والتي كررها الله في القرآن لينتبه العقلاء من خطوات الشيطان .

لكن لأن فيها لذة الكبر ونشوة التعالي وسيطرة الهوى سولها لهم الشيطان وزينها لهم وقد نبهنا الله لذلك بقوله : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ

وإذا دعاهم أحد إلى كلام الله الذي يحث على الأخلاق ، وجدته يبحثون في كتب التاريخ لما يبرر مساوئهم وسوء أخلاقهم ، ليخرجوا لنا قصصا واهية عكس ما قال الله في كتابه وعكس ما حثنا عليه النبي الكريم ، ضحك عليهم الشيطان بكبرهم الذي يعمي عن الحق ، في مثلهم قال الله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَل نَتَّبِعُ مَا وَجَدنَا عَلَيهِ آبَآءَنَا أَوَ لَو كَانَ الشَّيطَانُ يَدعُوهُم إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ

معظم المتكبرين باسم الدين والعلم ، لو رأى شخصا يحث الناس على شيء ذو قيمة أو مفيد يتهكم عليه ويقول له : ما دليلك ، لم يسبق أن شاهدنا رسول الله يفعل هذا ..
لكن هو يفعل كل الموبقات بالأعلى وينسى أن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لم يفعلها في حياته قط !!! ساء ما يحكمون

هم يفعلون ما لم يفعله النبي الكريم نفسه ، ألم تعلموا أنه كان يعرف المنافقين ، لم يعرفهم بنفسه ولا بعلمه الذي يعلمه ولا بوعيه ، عرفهم عندما أخبره الله بهم ، عرفهم بالوحي ، ومع ذلك لم يحذر منهم ولم يخبر عنهم الناس ، أتدرون لماذا ؟ لكي يعلم الناس كيف يتفقهوا في الدين وأن لا ينشغلوا بالأحكام على الناس ، ولكي يزداد وعيهم فيعرفونهم بسيماهم لنصحهم ثم للحذر منهم إن لم يستجيبوا لا لفضحهم .

فالفضح منهي عنه في الدين بوضوح شديد ، ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال صَعدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ.

وفي رواية أخرى لنضلة بن عبيد "لا تذموا الناس لا تعيروهم لا تتبعوا عوراتهم فإنه من يلتمس عورة أخيه يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بطن بيته"

وفي رواية ثوبان بن يجدد " لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللَّهِ ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، طَلَبَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ "

وكلنا يعرف مقولة الإمام الشافعي الشهيرة : من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه

والفضح غيبة . والغيبة محرمة في الدين ، والغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره ، أي شيء يكرهه إنسان لو ذكرته على الملأ يعتبر غيبة . انتبهوا .. هذا هو تعريف النبي الكريم فاقرأوه بتمعن : أتدرون ما الغيبةُ ؟ قالوا : اللهُ ورسولُه أعلمُ . قال : ذكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ ، قيل : أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ ؟ قال : إن كان فيه ما تقولُ ، فقد اغتبتَه . وإن لم يكنْ فيه ، فقد بهتَّه

وفي رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب : الغيبة أن تذكر من المرء ما يكره أن يسمع

حتى لو كان فيه ما تقول ، وكان الشخص غير موجود فقد اغتبته .. هذه هي الغيبة المحرمة ، أن تذكر عن الشخص ما يكرهه. لكي يصون الإسلام أعراض الناس وحرماتهم من القيل والقال ..

وبين النبي الكريم أن أحد أهم أسباب عذاب القبر ، سباب الناس وغيبتهم والنميمة عليهم في الحديث عن أحد أسباب عذاب القبر : وكان الآخرُ يُؤذي النَّاسَ بلسانِه ، ويمشي بينهم بالنَّميمةِ

وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة : إن أحبكم إلي ، أحاسنكم أخلاقا ، الموطؤون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون ، وإن أبغضكم إلي ؛ المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ؛ الملتمسون للبرآء العيب .

وفي رواية عبد الرحمن بن غنم : خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله ، وشرارعباد الله المشاؤون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرآء العيب

العجيب أن الشيطان نشر بين الناس مقولة لا أعلم من مبتدعها : لا نميمة في فاسق !!
ولو لاحظتم ستجدون أنها عكس كلام النبي الكريم ليتركوا شرع الله ويتمسكون بها لتبرير كل ما يفعلونه بسبب الكبر .

وفي الحديث الضعيف الذي رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الغِيبةُ أشدُّ منَ الزنى، قالوا : يا رسولَ اللهِ وكيف الغيبةُ أشدُّ منَ الزنى ؟ قال : إنَّ الرجلَ لَيزني فيتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليهِ وفي روايةٍ : فيتوبُ فيغفرُ اللهُ لهُ - ؛ وإنَّ صاحبَ الغِيبةِ لا يغفرُ لهُ، حتى يغفرَها لهُ صاحبُهُ .

وفي رواية جابر بن عبد الله "إياكم و الغيبة ، فإن الغيبة أشد من الزنا ، إن الرجل قد يزني و يتوب فيتوب الله عليه ، و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه "

ولقد كان يشغل بالي منذ فترة موضوع كبير ، يتخذه الناس ذريعة لإهانة الناس وهو عكس ما جاء في القرآن ، وعكس سمات شخصية نبينا الكريم وبعد بحث طويل تأكدت من فبركته ، وسأفرد فيه مقالا مفصلا بإذن الله قريبا ، وهو أن النبي الكريم الحليم الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق لم يهين شخصا مشركا أبدا ولا عيره بلقبه ولا كنيته ، ومن هؤلاء من يطلق عليه الناس أبو جهل ،، فلم يقل النبي الكريم لهذا الرجل أبدا (أبو جهل) بدلا من (أبو الحكم) .. بل كان يناديه باسمه عمرو بن هشام .. وسامح الله من شوه تاريخ نبينا عن عمد وسأثبت ذلك بالأدلة المفصلة قريبا مستشهدا ببعض الصور القديمة لبعض المخطوطات من الكتب الأصلية القديمة قبل التلاعب فيها ومسح كلمة (عمرو) وإبدالها بـ (أبو جهل) في معظم أحاديث النبي الكريم والتي أعطت المرضى ذريعة للاستهزاء بالناس ومخالفة أوامر القرآن الصريحة الواضحة .

أنت السبب في مصيرك يوم القيامة ،، هل أنت نموذج للإسلام ورقيه وعدله وأخلاقه ،، أم تنبش في القصص التاريخية القديمة التي تم فبركة بعضها لتثبت للناس أن سوء خلقك هو من الإسلام .. أنت وحدك من سيقف أمام الله عاريا يوم الحساب .. ومصيرك ستكون أنت فيه السبب .. نعم أنت السبب .. قرر


اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مدونـة يقظة وعــي