الخميس، 11 أغسطس 2016

العيش بوعي - د.صلاح الراشد



عمق رسالة كل نبي وكل علامة في هاتين الكلمتين: "العيش بوعي"
الناس نيام . يولدون ويموتون وهم نيام , وهناك مقوله شهيره جدا للامام على بن ابى طالب : الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا .

فقليل جداً من استيقظ من نومه . لا يغرك فتح العيون والمشي. كثيرون يمشون وهم في النوم. غالب الناس في حلم. يُشبه " أوشو "وهو حكيم هندي الحياة عند غالبية الناس بالحلم الذي يراه الإنسان وهو نائم.
عندما تكون نائماً وأنت تحلم فقد ترى امرأه تتحول إلى حصان مثلاً فلا تسأل لماذا صارت حصاناً؟ وكيف إمرأة تصير حصاناً في لحظة ؟ آنت لا تعي ذلك في الحلم، فقط تتعامل مع الموقف، وتمضي في الحلم. في الحلم ممكن أي شيء يصير ولا يهم ما تعمله. في الحلم لا حقائق.

أنت فقط تنساق وراء تفاصيل ومجريات الحلم بلاوعي. كم إنساناً تعرفه يعيش هكذا؟! ابدأ بتفحص نفسك. الناس في حلم. يصدقون الدعاة والقساوسة والمشايخ والكهنة والسياسيين والدكاترة والأخبار والأطباء .. مساكين .. في حلم .. أي شيء يطرأ لا يعونه! أي شيء ممكن يحدث. أي شيء ممكن يصير وسوف يتعاملون معه. فهذاعيش بلاوعي !

هذا أسوأ شي ممكن يحصل لك في حياتك. أن تعيشها بلا وعي. أن تعيشها تبعاً لأحداث يصنعها لك آخرون. أنا أقول لك: خالفني، خالف رأيي، اهجرني، اكرهني .. بس اعملها بوعي. أعملها من قلبك ليس من خوفك ، من برمجتك ، من أفكارهم التي زرعوها فيك فغشوك. اعمل كل ما تريد عمله لكن بوعي. لا يقع الواعي في الخطيئة. لا يقتل، لا يسرق، لا يغضب، لا يكفّر أحداً، لا يحكم، لا يأخذ حقوق البشر، لا يتعدى الدور في الصفوف، لا يعتدي على الناس، لا يُكفر، لا يُلحد، لا يضر الحيوانات، لا يتلف البيئة ..

بدلاً من أن تعطيه كتاب "الكبائر" للإمام الذهبي علمه العيش بوعي ولا حاجة له بهذا الكتاب الذي قد يكون أقرب إلى اليأس منه للإيمان كما لا ننفى قيمته العلميه واهميه العلم به ايضا . وبدلاً من أن تتدارس معه كتاب "إصلاح المساجد" للحارث المحاسبي دعه يصلي بوعي ، ولا حاجة له بهذا الكتاب الذي هو إلى الإحباط منه أقرب من الصلاح. قبل أن تجعله يتعمق في كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم أو "الموافقات" للشاطبي قبل الإفتاء اجعله أولاً يتعلم الحديث بوعي والافتاء بوعي.

كيف أعيش بوعي؟

عن عمار بن ياسر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها" (رواه أحمد وأبوداود).

ليس له منها إلا ما وعى ! ما يقال عن الصلاة يقال عن بقية الأعمال الشرعية والحياتية. الخشوع عمق الوعي. أعمل كل شيء بخشوع أي بحضور تام. عندما تقرأ فقط خليك في القراءة. عندما تكون في العمل كن في العمل 100% لا تفكر في البيت. عندما تلعب مع أولادك كن معهم 100%. عندما تكون مع زوجتك كن متواجداً في اللحظة 100%. عندما تشاهد فلماً عش اللحظة في الفلم 100%. عندما تقرأ القرآن الكريم عش سريان القرآن الكريم وسياقه وطاقته.

استمتع باللحظة، عندما تكتب قبل أن تكتب عش اللحظة 100% اعمل تواصل مع المعنى جنب التفكير جانباً. عندما تقود السيارة قدها 100%. عندما تمشي تحسس رجلك على الأرض، لاحظ الأزهار والآشجار أو الطبيعة حولك، راقب تنفسك، تحسس جسمك. عندما تذهب للحمام بالذات للغسل انتبه لما تقوم به .. كن واعياً، تحسس جسمك كله.

عندما تأكل - مهما كان ما تأكله - كله بمتعة وبوعي .. تلذذ فيه، استطعمه، اشتمه، تذوقه، اهضم ببطىء، لا تبلع وتدفع ! لا تآكل أي لقمة جديدة حتى تنتهي من الأخرى بالكامل. لا تشاهد التلفاز. لا تقرأ. لا تتحدث بكثرة. فقط ركز على الأكل. عندما تشرب الماء، الله .. الله .. أجمل لحظات الحياة .. اشربه بوعي وحب وسلام .. عندما تحزن احزن يوعي .. عندما تغضب اغضب بوعي .. أي عمل تريد القيام به اعمله بوعي. افصل الماضي والمستقبل منه. تواجد في اللحظة.

استشعر قلبك. هذه الاستراتيجية لو عمل بها البشر فلن يوجد حزن ولا سرقة ولا تفجير ولا ارهاب ولا يوم غضب ولا يوم حداد ولا يوم حزن

إذا أوجدت الوعي باللحظة في أي موقف زال الشر والضرر والغضب والكره والمرض .. لا يتواجد الإثنان معاً. إن الوعي مثل النور. عندما يتواجد يتسرب الظلام! عندما يتواجد الوعي يتسرب الغضب والكراهية والشر والإضرار والعنف والاضطهاد .. لا تتواجد الشياطين وطاقاتها في بيئة وعي.

مختصر سمات الوعي :

لو كان للوعي سمات وصفات فستكون كالتالي:

1- التركيز والعيش في الللحظة: هذا يعني التواجد الكلي في اللحظة. كل الحواس الموجودة بما فيها السادسة متواجدة وحية وفعالة .

2- توقف التفكير. الوعي والتفكير مثل النور والظلام. لا يتواجدان مع بعض. طبعاً المقصود بالتفكير هنا السرحان في شيء آخر غير الذي أنت متواجد فيه .

3- عدم دخول عقدة الزمن: الماضي والمستقبل في التفكير. إذا كنت في اللحظة فلا ماضي ولا مستقبل. إذا كنت في التفكير ففيه ماضي أو مستقبل أو الأسواء الأثنين معاً.

4- شعور الوعي مختلف تماماً. انسجام، تواجد، حضور، تكامل، تنوير. شعور اللاوعي دائماً سلبي.

5- الوعي تسليم للحظة، إيمان. اللاوعي خوف، قلق، قلة إيمان.

كيف أرجع للوعي عندما أفقده؟

عندما تخرج من الوعي فهذا يعني بدأ التفكير في الماضي والمستقبل والأمكنة الآخرى غير هذا المكان الذي أنت فيه .. الخ. للعودة ببساطة: الآن وهنا Here & Now دون أي دراما. تجنب دراما التأنيب والشعور بالفشل والملل والاحباط .. الخ. فقط ارجع للحاضر واللحظة ولا تختلق دراما. هذه استراتيجية العقل في العرقلة، فانتبه ! 
اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة © 2016 مدونـة يقظة وعــي